
المُسَارَعَةُ إِلَى نَيْلِ الغُفْرَان
قال الله تبارك وتعالى في سورة آل عمران(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)
القرآن الكريم كتابٌ يدعو إلى الهدى، ويهدي إلى الرشاد، وهو مصدر الخير المطلق للبشرية، ومنبع المعارف الإلهية، وهو النور الذي يهتدي به متّبِعُه في ظلمات الحياة.
إن هذا القرآن يحثّنا على المسارعة لنيل المغفرة بجميع الإمكانيات المتوفرة والوسائل الممكنة بأقصى سرعة قبل أن يفوت الأوان فلا ينفع بعد ذلك ندمٌ ولا حسرة.
فالإنسان تغفره الغفلة وتسيطر عليه الشهوات وتنسيه واجباته تجاه ربه، فمنهم من يوقظ نفسه منها قبل الموت، ومنهم من يبقى كذلك حتى حلول الأجل وانقطاع العمل، وقد ورد في الحديث:الناس نيامٌ إذا ما ماتوا استفاقوا:
فقد يُمسي المرء ولا يصبح، أو يصبح فلا يُكمل نهاره، لأن الموت يأتي فجأة من دون سابق إنذار، وهذا حكمٌ يشمل جميع الناس، وقد ورد في التاريخ أنّ ملَك الموت أتى نبي الله سليمان بن داود(ع) وهو جالس على كرسيّه يراقب الجن وهم يبنون له الهياكل والمحاريب فسأل عزرائيل عن سبب قدومه أهو زائرٌ أم قابض؟ فأجابه بل قابض، فقال سليمان:لماذا لم يرسل إليّ ربي رسولاً يخبرني بدنو أجلي؟ فقال له ملك الموت: لقد أرسل إليك الرسل، فقال سليمان: كيف؟ فقال ملك الموت: أوَ لم تر الجنائز؟ قال سليمان: نعم، فقال له عزرائيل: تلك رسل الله إليك.
وفي هذا المجال الوعظي الكبير استشهد الإمام علي(ع) في بعض خطبه الوعظية حيث قال: فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُد َعَلَيْهِ السَّلامُ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مَعَ النُّبُوَّهِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ المَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، َالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ:
وفي موضوع الإسراع إلى نيل الغفران قال(ع):فَبَادِرُوا الْمَعَادَ، وَسَابِقُوا الْآجَالَ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ، وَيَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ:
إن هذه الدعوة إلى المسارعة في التوبة والعمل توحي بالخطر المحدق بالإنسان في كل زمان ومكان، حتى ولو أنه سكن البروج المشيدة، ألم تسمعوا قول الله تعالى(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)
كثير من الناس يخشون الموت، منهم من يخشاه لأنه سوف يحرمه من زخارف الدنيا وشهواتها، ومنهم من يخشاه خوفاً من أن يكون مقصراً تجاه الله تعالى، ومهما كان السبب فإن بإمكان الإنسان أن يجيّر الموت لمصلحته فيجعله من خلال طاعته أُنساً وسلوة ومرحلة تنقله إلى الحياة الحقيقية الدائمة الخالية من كل هم وغمّ وتعب وعناء وأمراض وكل ما هو كائن في هذه الحياة الفانية، قال أمير المؤمنين(ع): وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكسِاً، أَوْ مَرَضاً حَابِساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً، فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ، زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ، وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَاترٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ:
نعود إلى الآيات موضوع الموعظة هنا، فقد قال سبحانه(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
إن المسارعة الحثيثة في العمل الموصل إلى الجنة أمرٌ مطلوب من كل إنسان مؤمناً كان أو غير مؤمن، فإنه يجب على المؤمن أن يعالج جوانب التقصير في طاعته لربه ويصحح موارد الخلل فيها كيلا يكون عليه ما يمنعه من دخول الجنة التي وصفها رب العالمين بأنها كعرض السموات والأرض ليس من باب التحديد الفعلي، بل من باب بيان سعتها التي ربما تتجاوز حجمهما لأنه تعالى يوسع في ملكه متى شاء.
وأما غير المؤمن فعليه أن يؤمن ويعمل، وعليه أن يعلم بأنه إذا أصر على الكفر فسوف يكون من أصحاب الجحيم.
لقد أخبرنا سبحانه بأن هذه الجنة التي تُكتسب عن طريق نيل المغفرة، وأن طريق المغفرة هو الإيمان والعمل المترجم له قد أعدها تعالى للمتقين، وإذا كان الأمر كذلك فما علينا سوى أن نعرف شيئاً من صفات المتقين حتى نتحلى بها وننجو بها في يوم القيامة لأن التقوى هي الطريق الوحيد الذي يؤدي بنا إلى الغفران ومتعلقاته وتوابعه.
وإن صفات المتقين كثيرة جداً، وقد ألّفتُ كتاباً خاصاً حول تلك الصفات، ولن أكرر ما ذكرته في ذلك الكتاب، وإنما سوف ألقي نظرة سريعة على الصفات التي أتبع الله بها هذه الآية حيث قال(الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
ونحن بدورنا يمكن أن نستخرج من هاتين الآيتين خمس صفات، وليس الغرض من استخراجها مجرد الكشف عنها، وإنما الغرض من بيانها هو الحث على التحلي بها لما فيه من الفوائد للإنسان على مستوى الدنيا والآخرة، خصوصاً وأن للتقوى آثاراً على صاحبها في كلا الدارين.
الصفة الأولى: الإنفاق في سبيل الله تعالى في حالتي اليسر والعسر.
الصفة الثانية: كظم الغيظ: وهو حبس الغضب، لأن الإنسان في حالة الغضب يكون قريباً جداً من المعصية ولأن الشيطان الرجيم يستغل خروج الإنسان عن صوابه ليوقعه في الحرام.
الصفة الثالثة: وهي العفو عن الناس، وخصوصاً عند القدرة على الإقتصاص منهم، وبما أن الله تعالى يحب العافين عن الناس، ونحن نرجو ثواب الله عز وجل فما علينا سوى الإلتزام بهذه الصفة التي صرّح القرآن عن حب الله لها ولفاعليها.
الصفة الرابعة: ذكرُ الله تعالى عند الوقوع في الخطأ، ونعني بذكر الله هنا التوبة من الذنب وعدم الرجوع إليه مرة أخرى، وإلا كان مرتكب هذا الخطأ أكثر من مرة كالمستهزئ بالله تعالى.
الصفة الخامسة: وهي عدم الإصرار على الذنب: إذ لا يليق بالمؤمن أن يصر على الخطأ فإن الإصرار عليه يوصله إلى الهاوية، وإن كان خطئاً صغيراً فإن الصغير مع الإصرار كبير عند الله تعالى، وقد ورد في الحديث:لا كبيرة مع الإستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار:
وقد جاء في موعظة للإمام علي(ع) قوله: أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، بِتَقْوَى اللهِ، وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ، وَمَحَلَّةُ تَنْغِيصٍ، سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ، وَقَاطِنُهَا بَائِنٌ، تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ، وَمِنْهُمُ النَّاجِي عَلى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ، تَحْفِزُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا، وَتَحْمِلُهُ عَلى أَهْوَالِهَا، فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَكٍ، وَمَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَكٍ! عِبَادَ اللهِ، الْآنَ فَاعْلَمُوا، وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَ الْأَبدَانُ صَحِيحَةٌ، وَ الْأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ، وَالْمُنقَلَبُ فَسِيحٌ، وَالْمَجَالُ عَرِيضٌ، قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ، وَحُلُولِ الْمَوْتِ، فَحَقّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ، وَلاَ تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ:
وقال(ع): أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا دارُ مَجَازٍ، وَ الْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ، وَلاَ تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُم، وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، ولِغِيْرِهَا خُلِقْتُمْ. إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ: مَا تَرَكَ؟ وَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ: مَا قَدَّمَ؟ لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ! فَقَدِّمُوا بَعْضَاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً، وَلاَ تُخَلِّفُوا كُلاًّ فَيَكُونَ عَلَيْكُمْ:



